الرزينة ر . لالاني ( مترجم : سيف الدين القصير )
25
الفكر الشيعي المبكر ( تعاليم الامام محمد الباقر )
سلطته ومداها - على الدوام ، أحد الأسباب الرئيسية لوجود ميول واتجاهات عديدة بين الشيعة الذين لم يعودوا ، منذ زمن الحسين ، مجموعة واحدة ضمن سياق واحد أبدا . خلال سنة من مأساة الحسين ، نشأت حركة عرفت باسم « التوّابين » ، أي أولئك الذين تابوا عن تقصيرهم في تقديم المساعدة إلى الحسين في ساعة محنته ، وقامت لتحارب الأمويين . إلا أن القوات الأموية اكتسحتها ، وقتلت الكثير منها . أما أولئك الذين نجوا ، فقد انضموا إلى المختار بن أبي عبيد الثقفي ، الذي كان يعيش في « المنفى » بسبب مشاركته في ثورة الكوفيين بقيادة مسلم بن عقيل ، ونظم حركته الخاصة به ، داعيا إلى الثأر لمقتل الحسين . ويسود الاعتقاد بأنه جرى الاتصال بزين العابدين ، ابن الحسين ، وعندما رفض ( عرض المختار ) أصبح محمد بن الحنفية رئيسا اسميا لحركة المختار . كان المختار قادرا على تعبئة الموالي ، المسلمين من غير العرب الذين عوملوا في ظل الأمويين كمواطنين من الدرجة الثانية . وأطلق في سنة 66 ه / 685 م ، ثورته بنجاح في الكوفة معلنا محمدا بن الحنفية على أنه المهدي ، أي المنقذ المهدي بالله الذي سيقيم العدل في الأرض ويخلّص المضطهدين من الظلم . وقد لاقت هذه العقيدة هوى في نفوس الموالي ، الذين كانوا يعدّون أدنى مرتبة ، عرقيا واجتماعيا ، من العرب المسلمين ، فوفّروا أرضية ثمينة تمد أية حركة معارضة للنظام القائم على ( العنصر ) العربي الصّرف في ظل الأمويين . وعلى الرغم من أن النجاح الذي حققه المختار لم يدم طويلا ، إلا أن حركته عاشت واستمرت تحت اسم الكيسانية . في غضون ذلك ، وجدت مجموعة شيعية صغيرة وقفت إلى جانب علي بن الحسين ، الوحيد الباقي من ذرية الحسين على قيد الحياة ، والذي لقّب ب « زين العابدين » . وكانت الحالة التي وجد فيها زين العابدين نفسه في أعقاب كربلاء ، دفعته إلى تجنّب المشاركة في الحياة السياسية . وفي عهد محمد الباقر بن زين العابدين ، الذي هو موضوع هذه الدراسة ، بدأت هذه المجموعة ، التي عرفت في ما بعد بالإمامية ، تكتسب شهرة . كان الظن سائدا عموما أن الباقر قد عاش حياة مغمورة لا تسترعي الانتباه ، حتى أن بعض العلماء العصريين قد شك بمنجزاته ،